ar

اسم المستخدم

أنت هنا

الرئيسية

قصة: نوفل نيوف                 

"تربة المعاصي الأمل... وتربة الطاعة المعرفة"

التستري

وعندئذ قلت لنفسي: إن الموت لا يعني الفناء. وأدركت أن يوم السبت لم يكن زمنا، كان فناء. وصرخت بأعلى صوتي، ولم يسمعني أحد. ارتفع صداع رأسي، ولم أسمع أنا أيضا. قلت:

ـ إن الموت لا يخيفني الآن.

 وبصمت استدركت:

ـ الآن أم بعد قليل؟

وكان يوم السبت يمّر جثة مجرورة تحت هديل المطر. وصرخت بأعلى صوتي، ولم يسمعني الآخرون. وضغطت بكفي على الصدغين لأهدئ الصداع، ولم أسمع شيئا. وكانت ميرا بعيدة. كانت ميتة، تفكر بي وتتألم. وكنت ميتا أفكر بها وأتألم. ونظرت إلى المساء المثقوب بأضواء العمارة المقابلة، وكان هديل المطر يردد أغنيته الرتيبة:

                                                       الموت لا يعني الفناء.

وكنت أصرخ وأفرد جناحي وأطير عاليا، فوق المطر، فوق الأضواء، وفوق السبت القتيل، ثم أنحدر ناسيا صداعي، وأتيقن أن السبت لم يكن زمنا. كان فناء، خواء، لا شيء. وميرا تسير لا أراها، تشعل شموع صدرها وتمارس لعبة تجريح القلب باللوعة والخيالات والأوهام. وأمشي وراءها مستضيئا بشموعها، متجرعا جروحها من بعيد. لا أعبأ بالصداع وأسير.                                                     "الشاة المذبوحة لا يؤثر فيها السلخ".

 وأدرك جيدا أن الموت لا يؤلمني. ولا أخاف. وكنت أختنق بالوحدة، أشعر أنني بحاجة لأفيض بالدموع:

دموع التنفيس عن هذا الاختناق.

دموع الحرية التي تملأ صدري، إذ أفكر بسعادتي الأليمة!

سعادتي بأنني وحيد، أستطيع أن أهدر هذه الساعات، هذا العمر:                                                                صامتا، صافيا، متفجرا في الأعماق.

وتلدغني الشكوك، فأتصور أن سمية كرهت حبي القوي لها فأهملتني. ولم يكن هجرها لي ناجما عن غيرتي التي عذبتها طويلا، فتخلت عني وتزوجت إبراهيم. ولكن سمية لا تهمني، ولم أفكر فيها منذ جعلتها تنتظرني ساعتين في مقهى "النوفرة" وحيدة، وأنا أمنيها عبر الهاتف بأنني مرغم على التأخر، وسأصل بعد قليل.

ولم أصل أبدا.

ولا فرق أخيرا بين الموت والفناء. هو السبت، ولا وجود له. فقد مر باردا، شامتا، خبيثا، وأنا طريح الصداع.

وميرا لن تعود. وسيموت الأحد والإثنين... وأيام كثيرة.

لا يهمني العمر.

ويقرع الباب، ويرن جرس الهاتف بقسوة مزعجة، وأنا مسافر في الصداع. والمطر كف عن نقر النافذة. وميرا لا تسمعني. تعصر ألمها وتبحث عن الشمس. كم كانت تتأبط ذراعي وتجبرني على السير معها في النهار غير عابئة بأحد أو بشيء. كانت تعجبني. ولا أستطيع أن أجزم بأنني كنت أحبها. شعور مضن يتأرجح على الخيط الفاصل بين الإعجاب والحب. ولكن ما من امرأة أسعدتني وأطلقت جناحي مثل ميرا.

وكنت في الطائرة مسافرا من بيروت، وأمامي تمر سمية وميرا، تتقاطع طريقاهما فتتنحى إحداهما للأخرى في ممر الطائرة الضيق. وتكرران ذلك بصمت، بريبة، بابتسامة غامضة... وأفتح عيني كل مرة، فأنشد، أو أسمع، أو أقرأ على جدار بعيد:

ما لجرح بميت إيلام

ولكنه السبت، وأنا على قمة التاسعة مساء. والصداع كأس من نبيذ معتق فاسد، أتجرعه كما بعد سكر شديد. فراغ بين الجمعة والأحد، يطيب لي أن أقيم له قداسا. وأنا لا شيء، تحلق بي الطائرة فوق تضاريس مديدة من جبال وسلاسل رملية جرداء. أسأل جارتي في المقعد: في أي سماء نحن؟ تتراجع قليلا في جلستها، وأعرف أننا في أجواء إيران.

وسمية لم تلد لإبراهيم إلا البنات. وكان عذابها يزداد، وحسرته تتقد تحت رماد ثقيل. فمن سيرث ما وراءه من أرزاق؟ وأنا لم أتزوج. وميرا بعيدة. ومر السبت قتيلا، فناء، خواء. وقلت في نفسي: لو أن الطائرة تهبط بنا في طهران لالتقيت بسمية حتما، وبمحض المصادفة بالتأكيد.

وناداني صوت، ثم أعاد النداء حتى تأكدت أنني المقصود، فما أجبت. وما رأيت أحدا يقترب مني أو يقتحم الباب. ومن النافذة تراءت عباءة بيضاء تخلف وراءها خيط دخان طويلا في السماء. وترامى إلى سمعي جرس هاتف البيت, فتركته يرن بإزعاج. وراودتني أفكار وخيالات. وألحت علي رغبة بأن أتناول القرآن، فلم أجد في الحقيبة إلا "آلام" و"ما ليس شيئا" و"سرير الغريبة" و"البوسطجي" و"صحراء التتار". اختلطت العباءة بخيط الدخان بنسمة عطر"جادور" وأنا مسترخ في جلستي، فغفوت.                

    ولم أفلح في إقناع المحقق بأنني لم أكن عضوا في التنظيم، فصفعني ومسح الدم العالق على كفه بقميصي الأبيض. وظلت المسافة تتسع بين الإله والوحش في الإنسان حتى انتصرت البهيمة... وكان ما لم يكن، ولم يكن شيء. وطارت العصافير، وبقيت الريح تصفر في وهاد الروح.

وكانوا حفاة، تنزف أقدامهم على حجارة الطريق، مخلفة بقعا حمراء تتمدد وتجف. ثم تختفي الحجارة وأسمع صريرها وهي تتدحرج على السفح مع ماء يجرفني، ويداي الواهنتان تتشبثان بأعواد تتقصف وتجرحني، وأنجو معانقا جذع سنديانة عظيمة سامقة، دونها هوة بلا قرار.

والروابي تطير إلى الوراء. ويوسف العظمة إلى جانبي, ببزته العسكرية ونياشينه, أترقب كيف سيودع طفلته الوحيدة قبيل رحيله إلى ميسلون.

وترفرف أشلاء السبت على حبل الغسيل الذي ما فتئت أمي ترممه كلما انقطع. وعلى جزء منه تقف ميرا، تمسح الدم عن وجه غيلان المصلوب، فيما يهبط المساء خلسة، ناعما وكئيبا على جري عادته الأبدية في دمشق.

وظلت المسافة تتسع بين الإله والوحش في الإنسان حتى انتصرت البهيمة، و... ما لجرح بميت إيلام. وما لضعف الإنسان من حدود، ولا لقوة الأوهام من مثيل. وإذا انساق المرء مع وهم أركبه الريح مسرعا به إلى الموت أو الجريمة أو الجنون. والحقد يولد بسهولة، ويدفع في جميع الاتجاهات. فلا تغرد الليالي بعد الآن. لا يعود الصباح نافذة للتأمل والانتظار والرحيل إلى الله. وهذه الغيوم المتفرقة، المتوالدة، المتراكضة، المتداخلة لا تعود قصة عن الحب والصداقة، أو قراءة للغيب وبشرى بالجميل في قريب الأيام.             

…وأوهام على جمر أشم رائحتها كالشواء. ويختلط السبت بالثلاثاء، والخميس بالأبد، والمطر بالأرق، والنوم بالديدان، وقلبي بغدير رقراق ينزف أنينا وتأتأة في ضلوع الرخام. وكل أدار وجهه نحو الشمس الآخذة بالانطفاء في مهرجان الشفق. ولم يسعفني شيء. ولم يغادرني أحد. فقد كنت وحيدا كما في الرحم، كما في القبر، كما في الحياة. أدير وجهي إلى الله. لا أتلمس جثة السبت.لا أنتظر السفينة. لا أغادر الرصيف، ولا ينتهي إغراء الناي. وذؤابات الذكرى تغرقني في رمضاء الأرق، فأتعلق بقشة وينطفئ السبت. أنظر تحت قدمي وأتأرجح في دلو يغرف جفاف الصدى من الجب.

لا يتيم إلا الروح، ولا فراغ بحجم الضياع.

والشمس مرتدة إلى الشرق راية على صليب تنز منه رائحة نهار تتصدع أركانه وينحطم... والشمس ـ لا محالة ـ مرتدة إلى الشرق.

        ... ثم تنهض الوردة وتصدح الريح. وعبثا تتلفت عقارب الساعة حولها بحثا عن سبت تبدد في الطريق من الجمعة إلى النور.

 وصوت المقرئ يرتل:                            

"ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون".          

موسكو 2002

                                                     

 

1) إلى الصديق الأديب أحمد الخميسي.