ar

اسم المستخدم

أنت هنا

الرئيسية

 

سالم الهنداوي 

 

إلى أطفال سوريا في الأزل

 

   .. لستَ غافلاً عن الموتِ أيها الطفلُ الثريُّ الطَّالعُ من عَبَقِ الحكايات، فمن ألوان ثيابك، أيها الطفلُ الباسمِ الجميلُ، خِيط لكَ عَلَمُ البلاد في الصَّباح، قبل مولدك بقليل، كما خِيطت بخيوطِ الشَّمسِ سنابلَ القمحِ في السويداءِ دارُ ثكالى الغياب. لكن اللونَ الأحمرَ الذي كُنتَ تشتهيهِ في العيد، لم يكن لونَ قميصكَ الجديدُ، كان لونَ دَمِكَ القاني حين صَعدتَ الدَّرَجَ العالي في درعا تسأل عن مهابة الطَّالعِ في الأحلام، وقد غَدَتْ دمشقً سليلة الوهمِ في الدُّروب، تغيبُ في مطلعِ كُلِّ الحكاية، وتنتحبُ في خواتيم البُكاءْ.
 
    كانت الشَّامُ بعيدة عن متناول اليدِ والقلب.. يحرس حيطانها أسُودٌ من حجر يعتليها الغُبارُ كلَّما حلَّت الريحُ على قاسيون.. وكلَّما ندبت نسوة هناك في الجولان.. وكلَّما هتفت درعا تُشعل الريح في أقواس النواعير.
***
    خَرَجَ الطِّفلُ ولَمْ يَعُد. كان في الطريقِ قُرباناً لوحوشٍ تمشي على الأرض مَرَحاً، تجزُّ الرقاب بحثاً عن صوتٍ يختبئُ في الحناجرِ، ودمُ الطِّفلِ يقطع الطَّريق على المسافرينَ في الجنازاتِ.. طريقُ الجنازةِ أحمرٌ وطويل، والأرض التي كانت لزرع الشَّجر، تأخُذُ المذبوحين لدفئها لينمو الشَّجر.. بعد حينٍ ينمو الشَّجر.. بعد حينٍ يكبرُ الطفلُ ويرمينا بحَجَرْ.
***
    لمْ تمُتْ أيها الطِّفلُ الجميلُ المذبوحْ.. فغداً يهبطُ قاسيون من مهابتهِ العالية، ينقضُّ على الأسُودِ التي من حجرْ.. للعابرين نصيبهم من التماثيلِ وذيول الوحوش.. ولكَ أنتَ وحدكَ رأسُ الأسدْ.
***
    لا تحزن على فُراقنا أيها الطِّفلُ الجميلُ، فالصُّوتُ الذي هُنا نسمعه يقترب، هو صوتُ الأرضِ حين تلتهبُ.. فقمْ من نومِكَ لترى النَّار في صبوتها تجري كما الأنهارُ لهيبَ.. تمحو سيرةَ الوجعِ الطَّويلِ، وتجرُفُ أسودَ الذُّلِّ والطَّواغيتَ.
***
    نَمْ في حِجرِ أمِّكَ قليلاً أيها الذَّبيحْ، أيها الطِّفلُ الجميلُ الذي من شجرْ، ولا تجزع من خطوِ الوحوش في غابتكَ الباسقةُ، ومن صوتِ همهماتها في الدَّم.. فالوحوشُ، سليلاتِ الخلاءِ، تبحث عن مصدرِ الأنينِ الذي يُبكي الأمَّهات.. والشَّام حين تبكي، يصمتُ العربُ في حضرةِ البُكاءْ.. 
26 يناير 2012

كاتب روائي وقصصي من ليبيا