ar

اسم المستخدم

أنت هنا

الرئيسية


(بمناسبة خطبة ممثل سوريا في الامم المتحدة ضد الشعب السوري ودفاعا عن نظامه الدموي، أنشر هنا هذا النص وقد كتبته للأطفال من 7 سنوات إلى 77 سنة).
***
وقف الذئب في المحكمة، وقال إنه بريء، وأن ليلى ذات الرداء الأحمر استدرجته إلى بيت جدتها ذات النظارات، حيث وجد نفسه في موقف مخيف، وأضاف: سادتي القضاة الأجلاء، سيدي رئيس المحكمة، السادة المحامون والاستشاريون.. المتطوعون للدفاع عني، انظروا إلى هذا المنديل الأبيض الطويل الذي في يدي... إنه لدموعي البريئة المنهمرة كالمطر طلباً للعدالة. 
انظروا إلى عيني الخائفتين إلى درجة الذعر، وإلى قوامي الهزيل من العذاب.. ثم انظروا، بدوركم، سادتي الأفاضل، إلى تلك "الفتاة ذات الرداء الأحمر".. قارنوا وجهي الذابل الحزين بوجهها السعيد الطافح بالصحة، وفكروا: أليس هذا دليلاً إضافياً على الروح اللامبالية..التي تتمتع بها هذه الفتاة القاسية..؟ ومع هذا فإنها يا سادتي القضاة لا تكف طوال أحداث قصة ليلى والذئب عن الإيحاء بأنها فتاة بريئة.. وأنني ذئب شرس سيء النوايا. 

يا حضرة القضاة وراء هذه البراءة كانت هناك أسنان دامية كالملابس الحمراء التي لا تكف هذه الفتاة عن ارتدائها.. لترهبني.. فضلاً عما تثيره هذه الملابس من إيحاءات أخرى أنتم أدرى بها! 
والغريب أنها تدعي البراءة إلى درجة أنها لم تكلف محامياً للدفاع عنها!
من أين أبدأ، يا سادتي، في رواية الوقائع المخيفة التي وقعت لي، وأي كلمات تسعفني، أنا الذئب الحزين، لأروي لكم الأحداث المروعة التي عصفت بحياتي منذ أن استدرجتني هذه الفتاة الشريرة إلى بيت جدتها....


وضع القاضي نظارته على عينيه، ونظر في الذئب متفرساً، وقال: هل تقول إنها استدرجتك.. كيف حدث هذا؟
قال الذئب: سيدي القاضي.. كنت جالساً عند ضفة النهر تظللني شجرة رائعة الجمال، وعلى غصن منها عندليب راح يغرد أعذب الألحان. أسكرني شدو العندليب، فرحت أنشد معه.. وفجأة قطع علينا هذا الجو المبهج ظهور الفتاة ذات الرداء الأحمر. زَعَقَتْ من ورائي، فأصابتني رعدةٌ، تلفتُّ.. ورجوتها أن تبتعد، لكنها ضحكت كالساحرة، ثم غمزت لي بصوت يحاول أن يسترضيني، وقالت إن جدتها في بيتها تحضر الحلوى، ورجتني أن آتي معها.. قلت كيف أقوم بزيارة إلى بيت لم أتلق دعوة من صاحبته! فادعت أن جدتها هي التي أرسلتها لتدعوني لتناول الحلوى. وكانتا يا سيدي تخبئان لي أمراً. ولفرط براءتي.. أنظر دموعي! .. لم أنتبه إلى الفخ الذي رُسم لي.
قال القاضي بقلق: وبعد .. اختصر. وارو ما حدث.
أضاف الذئب إنني أختصر، يا سيدي.. أنا أحب الاختصار، لأنني أعرف أن وقتكم ثمين: ثم إنني، يا سيدي القاضي صدقتها، ومضيت معها.. كنت قلقاً ومضيت.. وبباب البيت تلكأتُ قليلاً.. لكنني دخلت، رباه أية قوة سحرية عجيبة جعلتني أدخل ذلك البيت المشؤوم..! 

وفي غضون دقيقة أو دقيقتين شعرت بالكارثة.. ظهرت جدة ليلى وكانت لها نظارة تخفي وراءها عينين ماكرتين.. واخ.. يا سيدي القاضي، لا تدعني أرى هاتين العينين مرة أخرى، لأنني لو رأيتهما ثانية سيغشى علي من الخوف، وأخرُّ صريعاً. 

ففي ذلك اليوم، بلمح البصر دفعت بي الجدة إلى غرفة موحشة، ووجدتني أنا وتلك الجدة المخيفة ذات النظارتين الماكرتين في غرفة مغلقة، وبيدها مكنسة غليظة هوت بها على رأسي ضربات ضربات، سيدي القاضي، ضرباتٍ ضرباتٍ.. والباب مغلق، ومن وراء الباب يا سيدي.. سمعت ضحكات ليلى، وأدركت الأمر. كانت هذه البنت القاسية تسدّ الباب بيديها وقدميها.. والجدة تنهال عليَّ ضرباتٍ ضرباتْ.
خديعة كبرى، وأنا يا سيدي المبجل ضحيتها. لا تسألني سيدي، كيف أفلتُّ من هذه الواقعة.. العناية الإلهية وحدها تعرف... 

ومذ ذاك صرت أصاب بالدوخة، وأدركتني الكآبة، وبتُّ عليل النفس خائفاً، صرت أتخيل رداءها الأحمر، وكل رداء أحمر دماً. امسكوني بأيديكم سادتي القضاة واغمضوا لي عيني لئلا أرى هذا اللون ثانية. 

هذه الفتاة الجالسة أمام عدالتكم، يا سيدي.. هي التي غررت بي وقادتني إلى ذلك البيت الرهيب.. وبدلاً من أن تبادر هي وجدتها إلى الاعتراف بالذنب، وطلب السماح مني، استأجرت هي وجدتها كاتباً غريب الأطوار رويا له كل ما لم يقع معي، وأخفيا عنه كل ما وقع لي، وطلبا منه أن يكتب قصة تلوث سمعتي إلى الأبد، أنا الذئب الشريف. وإن كنت، أيها الرأي العام في المحكمة، لا أعرف كيف نجوت من الموت.. فإنني إلى الآن، أيضاً، لا أعرف السبب في ما وقع لي. أي ذنب اقترفه ذئب وديع مثلي كان في حضرة عندليب.. ؟!

إنني أقف أمام عدالتكم، مطالباً بحمايتي من ليلى الشريرة.. بعدما يئست من إمكان حماية نفسي من الاضطهاد، والدفاع عن وجودي المهدد على يدي هذه "الفتاة ذات الرداء الأحمر" المحتجزة هناك في القفص.. 
انظروا إلى هذا المنديل الطويل.. دموعي أطول منه. ولولا لجوئي إلى عدالتكم لكنت الآن، حتماً، في عداد الضحايا، أو أنني ما أزال متشرداً هنا وهناك في البطاح والجبال تحت جنح الليل، والسبب ليس هذه الفتاة وحدها، وإنما الأكاذيب التي روجتها عني هنا وهناك بحيث تمكنت من تلطيخ سمعتي في كل مكان، وتحطيم صورتي، نهائياً، أمام الرأي العام، بما ألصقته بي هي وجدتها من أكاذيب يندى لها الجبين.

سادتي القضاة إنني أطلب من محكمتكم الموقرة، وهي محكمة دولية أنشئت لحماية المظلومين من العنف، التأمل في ملابس هذه الفتاة قليلاً، والتمعن في دلالة اللون الذي اختارته لملابسها. إنه اللون الذي أرهب العالم عقوداً طويلة.. وهو يرمز إلى نفسية دموية. 
أما وقد ماتت جدتها في ظروف غامضة.. فما عليكم إلا أن تحاكموها هي وتعيدوا إليّ حقوقي الكاملة.

هنا توجه القاضي إلى الفتاة ذات الرداء الأحمر بالسؤال: الآنسة ليلى..أما وقد ماتت جدتك وهي الشخص الثاني المدعى عليه في القضية، فإن الصمت لا ينفعك في هذه المحكمة.. عليك أن تتكلمي من دون خوف. وإلا فإننا سنضطر إلى اعتبار صمتك إقراراً بجميع التهم المنسوبة إليك من قبل هذا الذئب الباكي، ولا أخفيك أن وضعك غير مشجع، خصوصاً أن الضحية أصيبت بانهيار نفسي شامل. لقد بنى الذئب الخائف من حول نفسه جداراً عازلاً، وهو ما يعتبر حدثاً محزناً. فقد يموت الذئب من الجوع والذعر بسبب هذا الجدار، والمحكمة تميل إلى تصديق محامي الادعاء في كل التهم المنسوبة إليك.
صمتت ليلى، كانت طوال المحاكمة صامتة، فهي لم تتكلم أبداً.

وهنا تقدم الشاهد الوحيد، وطلب الكلام. فقال القاضي، ماذا لديك أيها الشاهد؟ تكلم: قال الشاهد: سيدي القاضي، سادتي الحضور، هذه الفتاة خرساء!

نوري الجراح