أنت هنا
ملاحظات على مشروع الدستور السوري الجديد
هيثم حقي
قرأت نص الدستور المقترح المنشورعلى الإنترنت. وهو كسابقه دستور لنظام رئاسي شمولي يجمع فيه رئيس الجمهورية كلالسلطات من جديد. فهو رأس السلطة التنفيذية وهو من يعيّن الحكومة، من دون أي ذكرللأغلبية النيابية المعمول بها في الدول الديموقراطية سوى بعمومية ترد في البندالأول من المادة 8: «يقوم النظام السياسي للدولة على مبدأ التعددية السياسية، وتتمممارسة السلطة ديموقراطياً عبر الاقتراع».
لكن تحديد من يملك صلاحية تعيينالحكومة يأتي في المادة 97: «يتولى رئيس الجمهورية تسمية رئيس مجلس الوزراء ونوابهوتسمية الوزراء ونوابهم وقبول استقالتهم وإعفاءهم من مناصبهم»، ولا ذكر طبعاًللخضوع لنتيجة الاقتراع في هذا التعيين. ورئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقواتالمسلحة، وهو رأس السلطة القضائية، ويعيّن حتى المحكمة الدستورية العليا، وهوالوحيد الذي يكفل استقلالية القضاء مع مجلس أعلى يساعده. كذلك هو رأس السلطةالتشريعية واقعياً، فهو السيف المسلط على مجلس الشعب لأنه يستطيع حله لعلّةيُبيّنها، وهو يصدر القوانين في فترة عدم انعقاد المجلس وهي تعادل نصف سنة، ولايستطيع المجلس رد القانون الذي يصدره الرئيس إلا بأكثرية ثلثي الأعضاء المسجلين فيالجلسة على ألا يقلوا عن ثلثي أعضاء المجلس كافة وهو ما يتطلبه تقريباً تعديلالدستور برمته.
وبالطبع، هناك بنود وضعت بقصد محدد،فالترشح للرئاسة يجب أن يكون لسوري عاش عشر سنوات متتالية في سورية عند ترشحه،وهذا لو طبق في تونس لما نجح المنصف المرزوقي، وهو ما لا ينطبق على محمد البرادعيفي مصر مثلاً، ولا حتى على شارل ديغول في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، ولاعلى فلاديمير لينين بعد الثورة البلشفية، ولا على الخميني بعد الثورة الإيرانية. أمابالنسبة إلى نواب الرئيس وأعضاء مجلس الشعب ورئاسة الوزارة فدون المرشحين مشكلةالجنسية المزدوجة، والتي حصل عليها أغلبهم بسبب سحب جوازاتهم السورية حينها. وكلهذا لو طبق فهو يمنع كل المبعدين عن البلاد قسراً منذ ثلاثين عاماً من ممارسةالعمل السياسي فعلياً.
ألغى الدستور الجديد تسلط حزب البعثعلى الدولة والمجتمع، لكنه في مقدمته أقر تسلط فكره القومي. كما امتدحت المقدمةتوجه النظام السوري الإصلاحي والعروبي والمقاوم وهو أمر وقتي، إذ يمكن نتائجالاقتراع أن تفرز فئات تبين خطأ هذا التوجه الذي - على سبيل المثال - لم ينجزالتحرير والتحديث والمساواة بين المواطنين.
تقويمات من هذا القبيل تعكس وجهاتنظر - في رأيي - ولا يمكن وضعها في دستور.
وعلى رغم حذف الدستور كل ما يتعلقبأهداف حزب البعث المكونة من «الوحدة والحرية والاشتراكية» المتكررة في الدستورالقديم، لكنه أبقى على نسبة الخمسين في المئة للعمال والفلاحين في مجلس الشعب. كماأبقى على الملكية العامة للموارد الطبيعية وللمؤسسات والمنشآت العامة كونها «بقايااشتراكية».
حزب البعث والتفرقة العرقية
لكن المحيّر فعلاً والذي يجب أن يردّعليه خبراء دستوريون: هل إن حزب البعث العربي الاشتراكي بتوجهه القومي العربيوبأدبياته التي تمجد كل ما هو عربي وبعض ممارساته الشوفينية ضد الإثنيات الأخرى لايخالف مثلاً البند الرابع في المادة 8 الجديدة الذي ينص على أنه «لا يجوز مباشرةأي نشاط سياسي أو قيام أحزاب أو تجمعات سياسية على أساس ديني أو طائفي أو قبلي أومناطقي أو فئوي أو مهني، أو بناءً على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أو العرق أواللون»؟! ألا يعتبر التشديد على العروبة والانتماء العربي و «أنا بعث فليمت أعداؤه،عربي عربي عربي» مخالفة للمواطنة المتساوية مع الأكراد والآشوريين والسريانوالأرمن والشركس والتركمان السوريين؟! والطريف أنني قرأت أسماء أعضاء اللجنة ووجدتفيهم من ينتمي إلى إثنيات غير عربية، وهذا أحد مميزات التنوع السوري، وقد قامتالثورة اليوم من أجل العدل بين كل مكوناته، لكن أعضاء اللجنة من غير العرب آثرواالسلامة وقبلوا بنصف العدل.
وعلى رغم تأكيد الدستورِ المواطنةَالمتساوية أمام القانون العادل إلا أن الاستثناءات الكثيرة تخالف ذلك بالطبع. منهذه الاستثناءات ما أشرنا إليه، ومنها أيضاً تحديد دين رئيس الجمهورية، فهذه تخالفمادة المواطنة المتساوية جملة وتفصيلاً.
كذلك، فإن الدستور الجديد في المادة 155يسمح لرئيس الجمهورية الحالي بشغل منصبه حتى نهاية ولايته الحالية عام 2014. ثميحق له الترشح بحسب المادة 88 من هذا الدستور لدورتين مدة كل منهما 7 سنوات، لتنتهيولايته فعلياً في حزيران (يونيو) 2028. وهذا أمر غريب، فالدستور أمر دائم ولايُكتب عن حالة خاصة، ولو ترك الأمر مفتوحاً لكان أفضل لواضعي الدستور. إذ تتم فيهذه الحالة إحالة الأمر إلى الجدل القانوني والدستوري، فالدستور الجديد هو تغييرللنظام أو «إسقاط» له إذا استخدمنا تعبير التظاهرات، وبه يبدأ نظام جديد يعتمددستوراً جديداً، وبالتالي تتغير كل المؤسسات القديمة لأنها أقسمت على الولاءللدستور القديم وتنشأ مؤسسات جديدة تقسم على الولاء لهذا الدستور الجديد.
وهذا الموضوع لا يخص الرئاسة فقط، بليخص مثلاً مادة عجيبة هي المادة 154 التي تقول: «تبقى التشريعات النافذة والصادرةقبل إقرار الدستور سارية المفعول إلى أن تعدل بما يتوافق مع أحكامه، على أن يتمالتعديل خلال مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات ميلادية». وهذا يعني أن كل القوانين التيتسمح بالاعتقال التعسفي وتمنع التظاهر السلمي عملياً، وكل تشريعات مصادرة الرأيبحجة «وهن عزيمة الأمة» والتشريعات الكثيرة المماثلة التي تميز بين المواطنينوالتي لا تنسجم مع الدستور الجديد الذي يقر المواطنة المتساوية وحق التظاهر وحقوقالمرأة، ويبين كما ورد في المادة 32 أن «الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنينحريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم»... كل هذه الأمور يجب أن تنتظر ثلاثسنوات ميلادية!
إن اقتراح دستور يجب أن يكون بعد وقفالعنف والإفراج عن المعتقلين والسماح بتكوين الأحزاب في شكل حقيقي. تلي ذلكانتخابات نزيهة برقابة دولية لجمعية تأسيسية تقر دستوراً جديداً يعتمد حقاًالمواطنة المتساوية أمام قانون يعدل ليصبح عادلاً، ويقيم دولة ديموقراطية تعدديةبتداول للسلطة، على أن تكون - في رأيي - برلمانية، وهذا أمر تحدده صناديقالاقتراع، ليتم عندها حقاً الفصل بين السلطات والاستقلال الفعلي للقضاء.
للتعليق على الموضوع يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب جديد
