ar

اسم المستخدم

أنت هنا

الرئيسية

هوامش على الثورة السورية

معتز الخطيب

على هامش الثورة السورية لا يزال يتردد الكلام حول جملة من الأمور، بعضها مخاوف، وبعضها قلق، وبعضها أمل مُوجع، من قبيل الحديث عن "الفئة الصامتة"، وفقد الثقة بالمعارضة السورية، والخشية من بروز ديكتاتوريات جديدة، وهل يمكن التفاؤل من بين ركام مثل هذه العناوين؟

فيما يتعلق بما يسمى "الفئة الصامتة"، أعتقد أن توصيف المجتمع السوري إلى معارضة، وموالاة، وصامتين، توصيف ظاهريّ، فهناك في حقيقة الأمر فئتان: الفئة الأولى هي فئة الساخطين على النظام عبر عقوده الأربعة الماضية. وهي فئة عامة الشعب، ولكن هذا السخط يتبدى بأشكال مختلفة، شكلٌ يتخذ صفة المعارضة السياسية، وشكلٌ يتخذ شكل النقد والسخرية وإبداء الانزعاج من النظام، تارة بالنكتة السياسية وتارة بتجاوز القانون بأي شكلٍ كان، أو التعدي على أملاك الدولة، كنوعٍ من الاحتجاج على النظام وعدم الاعتراف به؛ لأنه يعكس نوعًا من الفصل والتمييز بين الدولة والـ "نحن". وشكلٌ يتخذ شكل "العزوف" عن تعاطي أي شأن سياسي أو شأن "عام" والانصراف إلى ما هو "فردي" بحت لعدم الإيمان بالنظام وبجدوى "السياسة" أصلاً في ظله. فما أود قوله: إن التظاهر وحده ليس معيارًا فاصلاً يمكن من خلاله تقسيم فئات الشعب السوري. ولو مشينا على هذا التصنيف فإن الصمت له دلالات عديدة، الصمتُ خوفًا، والصمتُ غضبًا، والصمتُ تعبيرًا عن عدم الإيمان بجدوى التظاهر، والصمتُ استسلامًا لقدرٍ لا يمكن دفعه. ولذلك لا ينبني على هذا الصمت شيءٌ في الواقع؛ لأن أي سوري يعرف حجم النقمة على هذا النظام وسياساته وممارساته، فهل يحتاج بقاء شخص في الحكم ثلاثين عامًا، وتوريثه لابنه من بعده أحد عشر عامًا إلى نقاش؟ هذا إذا لم نصل إلى قتل الناس ونهب البلاد والسياسات المدمرة للبلاد والعباد!.

وفيما يتعلق بمسألة فقد الثقة بالمعارضة، فمن الصعب قول ذلك، أو معرفة ذلك بطريقة دقيقة ومعبرة. إنْ هي إلا انطباعات عامة لا يمكن مناقشتها في الواقع، قد يكون هناك بعض الاستياء من أداء المعارضة، وهذا لا ينبغي التجني فيه، لأن له أسبابه وملابساته، فنحن نتحدث عن معارضة محظورة لعقود مضت، تفرقت في المنافي والسجون تحت القمع والملاحقة والتشويه والاستئصال، فالظروف لم تكن طبيعية وسوية حتى يمكن محاكمة المعارضة السورية كأي معارضة سياسية حقيقية كالمعارضة المصرية مثلاً. هذا أولاً. ثانيًا: هناك شرخ وقع في الشخصية السورية خلال العقود الأربعة الماضية، فأنا أرى أن أول أولويات المرحلة القادمة بعد سقوط النظام هي إعادة بناء الشخصية السورية، وهذا أمر شديد الصعوبة، لأن جزءًا من سياسات النظام الحالي كان "تفكيك المجتمع" السوري، وفَرْط عِقْده، لأسباب عديدة، أحدها أن النخبة التي استولت على الحكم في سوريا كانت من الأقليات، وعقلية الأقلية محكومة إلى هواجس وتخوفات ولا يمكن لمن هو غير مرتاح في عالمه الخاص أن يبني سياسات "مستقرة" في المجال العام، هذا لو قلنا إن هناك مجالاً عامًّا أصلاً في ظل نظام البعث. وثاني الأسباب، أن فرط المجتمع كان هدفه تسهيل الاستيلاء عليه وضمان استقرار النظام لهذه المدة الطويلة بعد جملة انقلابات عسكرية مُقلقة. ومن أدوات هذا التفكيك مؤسسات التربية والتعليم والمؤسسة الدينية الرسمية ومؤسسة الإعلام، ومؤسسة الثقافة، فقد بُنيت جميعها على تمجيد رأس النظام وتقديسه أيضًا، وقد كان سبّ الإله – سبحانه – أمرًا سهلاً بينما انتقاد الرئيس يودي بهلاك المواطن!. أليس عجيبًا أن يكون قانون التعامل بين السوريين حيثما حلوا أو ارتحلوا هو التشكيك والتخوف والآن استسهال التخوين؟ ذلك أن انعدام الثقة وسوء الظن جزء من سياسات النظام عبر العقود الأربعة، لقد زرع الشك في نفوس المواطنين، وأقرّ قاعدة "النفاق" فما يعلنه المواطن السوري غير ما يعتقده، لأن حرية التعبير تودي به وراء الشمس!.

أما ما يتعلق بمسألة الخشية من السوريين أنفسهم، وبروز ديكتاتوريات جديدة، هذا في حقيقته يرجع إلى ما سبقت الإشارة إليه من إعادة بناء الشخصية السورية، وترميم ما انثلم منها، نتيجة تغييب "السياسة" وقيمها، بما هي انشغال "بالشأن العام" والسعي "للصالح العام". فالسياسة وقيمها وتجربتها المتراكمة تقتضي رسوخ ممارسة سياسية حقيقية وقدرة على التواصل السياسي والتفاهم بعيدًا عن سياسات القهر والقمع والغلبة باسم الصواب أو باسم السلطة أو باسم الواسطة. وأنا هنا أتجنب ذكر لفظة "الديمقراطية" عمدًا. فلا يمكن لمجتمع بُني على القهر، ولا يَعترف لمواطنيه بأي حقوق، يولد فيه المواطن مسحوقًا منذ تبلور وعيه وحتى مماته، لا يملك خياراته ولا يشعر بفرديته، ويقبع في نفسه سلطان الخوف، لا يمكن لهذا أن يمارس الديمقراطية بالولادة أو بالفطرة!. وأخشى أن تكون كثرة الحديث عن نقد المعارضة ومساوئها نوعًا من تبرير النظام القائم ومساواته بها!. وفي هذا جريمة!.

أما ما يتعلق بمسألة التفاؤل، والتعويل على الشرفاء، فلا يمكن العيش من دون تفاؤل، إذا توقف التفاؤل فسدت الحياة!. وأصبحت أتحسس كثيرًا من كلمة "الشرفاء" هذه الأيام، لكثرة "التخوين" وارتجال إطلاق ألقاب الشرف والوطنية على كل أحد. الحديث عن شرفاء يستبطن إشارة إلى التخوين، وهو ما لا أحبه.